مذكرات سلوى يوسف
نقلوني للمدرىسة الثانوية وكانت المفاجأة أنهم عينوني مرشدة نفسية فيها.
لم أكن أعرف شيئا عن مهام هذه الوظيفة ولا كيفية تسييرها ولا السجلات التي يجب ان أفتحها كل رصيدي كان بعض الكتب التي قرأتها منذ زمن بعيد عن علم نفس الطفل والمراهق وكيفية التعامل معهما وهي معلومات قديمة بالكاد اتذكر منها القليل لذا اضطربت وسألت المدير ماهي مهامي وماالمطلوب مني من سجلات والكثير من الأسئلة فأجابني إعتمدي على نفسك.
دخلت إلى الإنترنيت لدراسة أساسيات هذه الوظيفة وفهمت ماعلي من مسؤوليات.
لم يكن عندي مكتب او غرفة خاصة كان مكتبي إحدى طاولات المطعم في المدرسة، هناك إنطلقت في عالم المراهقين الذين وثقوا بي أيما ثقة وأطلعوني على أدق أسرارهم وحتى العاطفية منها.
كم سررت حين كانوا يستمعون لنصائحي ويطبقونها مهما كان الألم الناتج عن تنفيذها ومن شدة نجاحي أتاني حرس المدرسة الأتراك يشرحون لي أعراضا نفسية يعانون منها ورغم أني أخبرتهم أنني لست إختصاصية كانوا يصرون على إستشارتي حتى ولو كصديقة.
أول صف دخلته كان طلاب الصف الأول الثانوي، فتيات بعمر الزهور استطعت كسب ثقتهن بسرعة وسهولة وذلك بتطبيق قاعدة ذهبية أن استمع إليهن دون محاكمتهن وأن اكون صادقة معهن وأمينة على أسرارهن حينها بدأن الكلام وأطلعنني على هواجسهن وأمنياتهن كانت كل معاناتهن تتمحور بمحورين أساسيين الأول إفتقادهن لمن يستمع إليهن لذا يتكلمن مع اول من يعرض عليهن الإستماع حتى دون مراجعة نيته والثاني افتقادهن لحرية إتخاذ اي قرار يخص حياتهن حتى قرار الزواج مما يدفعهن لممارسة حريتهن بالسر والخفاء فيتعرضن لشتى المخاطر خاصة وانهن لم يعتدن الحرية لذا لايفهمن حدودها والمسؤولية التي تترتب على ممارستها.
وأكثر مافاجأني شكوتهن من طريقة المجتمع بممارسة التدين، واستخدام لغة التهديد والإجبار حتى من مدرسات المسجد بدل الإقناع وكم فوجئت بأسئلتهن الرائعة ورؤيتهن للدين ورغبتهن بالإقبال على الله من باب الحب وليس التهديد.
مازلت أذكر حملات التنظيف التي كنا نقوم بها للصفوف والمدرسة ونحن نتضاحك وهن يخجلن أنني أمسح الأرض والسبورة والمقاعد والشبابيك معهن.
أما الشباب فكانت هواجسهم مختلفة كانت تسيطر عليهم فكرة الجهاد وليس إرضاء لله بقدر ماهو إرضاء للوالد والعم قائد الفصيل ولمن قاموا بغسل أدمغتهم وحين سألتهم لم يخيرونكم بين الموت والموت ولا يخيرونكم بين الحياة والموت كم فوجئوا وبدأ نقاش رائع بيننا عن هدف الأمة ومن هو العدو الحقيقي وكيف نأخذ بالأسباب وماهي مسؤولية المجتمع في صنع التغيير بعقلانية أما الأمر الآخر الذي كان يشغلهم فهي أمور القلب وقد نجحت في مشاركتهم حتى هذه الأسرار.
كم كنت سعيدة بهذه الوظيفة وكم نجحت بها لدرجة أنه لاأحد كان يتقبل قولي حين أخبرهم أنني لست اختصاصية.
وكذلك حين ذاع نجاحي وكبر فجأة وجدت نفسي منقولة من هذه الوظيفة لوظيفة مدرسة رياضة في الثانوية وكانت صدمة عظيمة لي ولطلابي.

تعليقات
إرسال تعليق