أنا والأمل بقلم منير الفراع

                                     أنا و الأمل (1).
لطالما كنت أومن بأن الغد سيكون مشرقا، فقد تربيت على قصيدة للشابي تقول أن الليل لا بد أن ينجلي وإن طال، و أن الشمس لا بد يوما ستسطع مبددة كافة أشكال الغيوم العارضة التي تحول دون إشراقها وسطوعها.  تلك كانت قناعتي الفكرية التي تشكل بها وعيي منذ أن وعيت على هذا العالم بعد انبثاقي وتحرري من ظلمات الرحم. قناعة شخصية لطالما آمنت بها في بداية حياتي على الرغم من الواقع الأليم  الذي كان دوما ينطق بغير ما أومن، محاولا أن يسرب اليأس إلى نفسي بأحداثه المأساوية التي لاتنتهي، والتي ترسم صورة قاتمة لاضوء فيها يمكن أن يحمل بين حزمه الأمل، واقع يكرس لليأس ويزرعه في النفوس،  مما يفقدها قدرتها على مجابهة الحياة ويسلبها كل أمل في غد جديد تشرق شمه بنور العدل والإخاء والحرية والمساواة، حياة تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، في ظل هيمنة متوحشة لتلك النظرة المادية للوجود والحياة مما جعلها تفقد معناها، بعد هيمنة الرؤية العبثية التي صارت تروج لها النزعة المادية التي تفصل الحياة عن الغائية، وتفرغها من كل محتوى قيمي أخلاقي، نظرة سارت تتوغل فينا بفعل هيمنة النموذج المادي على حساب النظرة القيمية الإنسانية والأخلاقية الجميلة، والتي مافتئت تتلاشى منسحبة من حياة هذا المخلوق الذي آل إليه الإنسان، نظرة زاد في تكريسها النظام العالمي الجديد الذي ينحو نحو السيطرة على الطبيعة والإنسان بدل التعايش معهما، نظام يسخر كل طاقاته لاستعباد الإنسان باسم اللذة والرغبة.
في هذه اللحظة حدثت تلك الثورة وذاك الانقلاب على ما تشكل به وعيي بين جدران الفصول الدراسية، فيئست من كل أمل في ذاك الغد الذي كنت أرقبه ارتقابا، وأستعجل بزوغ شمسه استعجالا. كفرت بالأمل وبشعاراته الزائفة التي يرددها الأقوياء لتبرير سيطرتهم على ضعفاء، كفرت بذاك البصيص من النور الذي كان لازال يحوم حول النفس حوم الفراشات حول النار، كفرت به بعدما أدركت أن الأمل في الغد ما هو إلا صناعة كغيره من الصناعات التي يروج لها المتحكون في رقاب الضعفاء حتى يضمنوا ولاءهم ويأمنوا ثورتهم، كفرت بذاك الأمل الوهم الذي تزرعه النخب الفاسدة حتى تضمن خضوع وخنوع العامة، كفرت بذاك الأمل الكاذب الذي يبرر الاستبداد باسم الاستقرار والوحدة، ويبرر الفقر والاستئثار بالثروات باسم القضاء والقدر، كفرت بذاك الأمل الذي كانوا يزرعونه فينا صغارا حول مستقبل زاهر سيأتي في الغد القريب، كبرت وطال انتظاري ولم يأت ذاك الغد الزاهر الذي أخبروني به بين جدران الفصل فمات بين ضلوعي الأمل، كفرت بذاك الأمل الذي ينبغي انتظاره سنين وسنين وقد يأتي وقد لا يأتي، بعدما وأدركت أن الأمل الذي كانوا يحدثون لم يكن أكثر من آلية من آليات استحمار الشعوب ووسيلة من الوسائل التي يعتمدونها لصرف فكري وفكر من هم أمثالي عن التفكير في الحاضر، إلى التفكير في ذاك الغد الذي يبقى بيد الغيب والذي حتما _ حسب ما كانوا يقنعوننا به_ سيكون أحلى وأجمل، وأن كل مشاكلنا غدا كلها ستتلاشى كالفقاعات في الفضاء، وأن اللون الوحيد الذي يتلون به الحاضر سيصير ألوانا، وأن الخريف سينقلب قريبا ربيعا،  لقد كفرت فعلا بهذا الأمل الذي يبرر الخنوع والخضوع والاستسلام، ويفصل الأمل عن الفعل والعمل والتغيير الذي ينبغي أن ينطلق من النفس،  فأمسى الأمل عندي مرادفا من مرادفات أدوات لجم إرادة الإنسان وكبحها من طرف النخب المستبدة بعدما أدركت كنهه، صارالغد عندي  وما يحمله من آمال مؤجلة مخدرا من المخدرات التي يلجأ إليها هؤلاء لاستحمار شعوبهم وإطالة أمد استبدادهم.

ذ: منير الفراع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موسم وأد الحمام بقلم العجمي الجملي

قصيدة " حيرة غريب " للشاعرة ساخي رشيدة 🌺🌺🌺🌺

أيا عروبتنا الشاعر أحمد مسعد