قنابل الثقوب السوداء بقلم ابراهبم مؤمن
مقطع من رواية أبواق إسرافيل أو قنابل الثقوب السوداء
الجزء الرابع والستون..تحطم الشراع
ثمان سنوات مرّت...
فالآن جاك على مقربة من قطع 80% من المسافة المحدد اجتيازها للوصول إلى الثقب .
الشراع يسير في مساره المعتاد ، يوجّهه مختبر الدفع النفاث نحو الثقب الدوديّ ، ومسار الرحلة واضح أمامهم على شاشات حواسيب عملاقة .
يظلّ الشراع طول الرحلة يتواصل معهم عن طريق الأقمار الاصطناعية التي تعمل بدور الوسيط الذي يستقبل البيانات ويرسلها بين الشراع وفريق الدعم بمختبر الدفع النفّاث .
تعطّلُ الاتصال ومذنب ...
وفجأة ، من مختبر الدفع النفّاث حدث قلق واضطراب بسبب غياب الشراع عن عيونهم .
وهذا سوف يعرّض الشراع للخطر بسبب عدم تمكّنهم من رؤية مسار الرحلة ، إذ قد يصطدم بجُرم سماويّ فيتحطم .
*ويظهر من بعيد جدًا صورة لمذنب يحمل ذيلاً طويلاً جدًا ، يتجه نحو الشراع ، هذا المذنب لم يره فريق الدعم وكذلك طاقم الشراع .
*وما زال فهمان طريح الطاولة ، ولقد شعر الروح المجنّس وكذلك شقا جسده بوجود شيء يهددهما ، ففزعا ، ولم يشعر فريق الأطباء بذلك .
*وبدأ فريق الدعم يتشاور من أجل معرفة الأسباب التي حجبتْ الشراع عن عيونهم .
تفحّصوا كلّ شبكات الاتصال فوجدوها تؤدّي عملها على أكمل وجه .
فقال الصينيّ..المفروض أنّ وحدة الكاميرا الموجودة على متْن الشراع تمكننا من رؤيته ، فلماذا لا نراه ؟
ردّ الأمريكيّ..للأسف الكاميرا لا تعمل إلّا مع وحدة الاتصال الموجودة على الشراع ..هكذا صممها مهندسو التركيبات .
ردّ عليه الصينيّ..إذن فوحدة الاتصال المعلّقة على الشراع تعطّلت .
ردّ العربيّ..إنّ هذه الوحدة لا يمكن أن تتعطّلَ إلّا إذا تهشّمتْ وهذا لم يحدث ، لذلك قد تكون الإشارة تلاشت بسبب بُعد الشراع عنّا .
قال الروسي ..ليس قطع الاتّصال بسبب البعد فقط ، فمن الممكن أن تتعرض إشارتي الإرسال والاستقبال إلى التشويش بسبب وجود مصدر طاقة هائل حولها .
قال العربيّ..إذن ، وسيلتنا الوحيدة هي زيادة عدد الأقمار الصناعية لمعرفة سبب قطع الاتّصال .
وبالفعل هاتفوا رئيس ناسا ، فأصدر أوامره لكلّ الأقمار الصناعية في ناسا والعالم رصد مسار الشراع .
*ومن اليابان لم ير كاجيتا الشراع ، فكاد قلبه ينصدع ، وظلّ يلكم بيده اليمنى فخذه الأيمن وينظر يمينًا ويسارًا متبرّمًا ، ثمّ قال انقطع الاتّصال يا أوباش ، ثمّ راسل وكالته فأرسلت بالتبعية إلى ناسا لتستبين الأمر ، فردّت ناسا عليهم بقولها ..ألم ندعوكم لتسليط أقماركم على مسار الشراع ؟
قالوا... نعم .
ردّت ناسا ..هذا من أجل فقد الإشارة بيننا وبين الشراع .
ردّ الأمريكيّ على العربيّ..والأقمار مهما كثرت لن تفيد إلّا إذا قويت الإشارة حتى لا تفقد قدرتها ، ولذلك عملت ناسا منذ شهور فقط على زيادة حجم صحون الهوائيات في شبكة مراقبة الفضاء السحيق وزيادة أقطارها وطلائها بأفضل المعادن التي تساعد على جمع الأشعة وعدم استطارتها عند الوصول إلى المحطات الأرضيّة .
وجاءت نتيجة تسليط أقمار العالم على المسار وأرسلت كلّها إلى ناسا فأمسكها بكْ وقد انضمّ إلى فريق الدعم للتوّ فقال يا سادة ..
رغم تسليط الأقمار وزيادتها ، ورغم تطوير الشبكات الأرضية لم نتمكن من رصد الإشارة للتواصل مع جاك ، وصور المراصد الفضائيّة الموجودة على متْنها تبيّن وجود طاقة هائلة من البلازما والإشعاعات تصدر من الثقب الأسود ، هذه الطاقة شوّشرت على الإشارة فانقطع الاتّصال ، وما حدث هذا التشويش إلّا لقرب الشراع من الثقب .
*ومن اليابان ..وصل التقرير أخيرًا إلى ميتشو كاجيتا فقال في نفسه ..لا جدوى من الاتّصال ما دام الثقب يقضي حاجته ، هذا المتسخ دائمًا ، واستنشق قليلاً ثمّ قال ..رائحتك عفنة يا ابن أصدقائى "يشير إلى كون الآلات" .
*وما زال المذنب يقترب من الشراع يحمل ذيلاً عظيمًا ممّا يدل على أنّه تعرّض لحرارة شديدة ، وهي الحقيقة بالفعل ، فقد تعرض لبلازما الثقب الأسود وقد رماه بقوة جاذبيته فانطلق سريعًا .
وعلى الشراع ..لحظ جاك عدم وجود إشارة بينه وبين الأرض ، فاضّطر إلى الاجتماع بكازو وجوليا ، وعلى مضض أجلس إيريكا أيضًا .
قال جاك لهم إنّ الشراع يسير بلا هدىً الآن ولم يعدْ مختبر الدفع النفّاث يتحكّم فيه .
فهل يعرف أحدكم سبب فقْد الاتّصال ؟
ردّت إيريكا ..لعلهم تخلّوا عنّا وتركونا نموت في الفضاء وحدنا ، هذه هي البشريّة .
فنظر إليها مستاءً ونكّرها احتقارًا وقال..اسكت أنتَ أيّها الأخرق ولا تتكلّم ، فوضعتْ إيريكا يدها على فمها وصمتت .
فأثار ذلك حفيظة جاك فاغتاظ وغضب ثمّ هجمَ عليها وضربها وقال لها..ألن ننتهي من هذا الموضوع بعد ؟
عِشْ آلة وإلّا حطمتك الآن ، إيريكا سـأحطمكِ ..سأحطمكِ .
فازورتْ إيريكا للخلف .
قال كازو ..لا أدري ، وكذلك قالت جوليا .
ردّ جاك الاحتمال الأكبر أنّ الثقب يشعّ إشعاعات قويّة قامتْ بالتشويش على الإشارة وخاصة أنّنا بدأنا نقترب منه .
وعمومًا سأظلّ أتابع خدمة التواصل بيننا وبين وحدة التحكم بالأرض حتى تعطي إشارة واطمئنُّ على مسار الرحلة ، عندها أعلم أنّ إشعاعات الثقب قد قلّت .
وأمر كازو بألّا يترك رصد المسار عن طريق التلسكوب الموجود على متن الشراع حتى يتجنّب الارتطام بأيّ جُرم سماويّ قدر الإمكان .
وأمر جوليا بالاستعداد لتحريك صواريخ المناورة الصغيرة إذا ما صدرت إشارة من كازو بوجود جرم يعترض مسار الرحلة .
كما أمر إيريكا بتتبع ومراقبة وحدات الخدمات كلّها .
وأخيرًا خفت إفرازات الثقب فعادت الإشارة ، فهلّل فريق الدعم من جديد وانتفض فرحًا بعد رؤية مسار الشراع على حواسيبهم ، فلقد ظلّوا أيّامًا يرسلون تعليمات إلى الشراع حتى تمكّنوا من رصده والإمساك به ، قال أحدهم لعلّ ملعون أورط قد كفّ عن التقيّؤ .
ولكنّ الفرحة لم تدم طويلاً ، وأخيرًا رصدوا المذنب صاحب الذيل الطويل ، وقد تمّ تعيين الإحداثيات بسرعة فتبين أنّه أتى من جهة الثقب بزاوية 30درجة ، بمعنى أنّه ليس في نفس المسار ، وأنّه متّجه مباشرة إلى جانب الشراع ، والمسافة بينهما قليلة جدًا جدًا فتقلّصتْ أساريرهم وتغيّرت أمزجتهم وارتسمَ عليها ملامح الخوف والوجل ، وتمتموا جميعًا وأصابهم الإبلاس والحيرة للحظات ، وقفوا عاجزين لم يدروا ما يفعلون .
وعلى الشراع وقبل معاودة الاتّصال بدقيقتين رصده كازو قبل مختبر الدفع النفّاث ، رصده فوجد صورة ضبابيّة غير واضحة أمامه من خلال التلسكوب ، فأخبر على الفور جوليا لتستعد ّبعمل مناورة لتجنبه ولم يخبرا جاك لضيق الوقت ، وقامتْ بعمل المناورة ولكنّ الصواريخ لم تسعفها لتغير المسار بالسرعة المطلوبة .
لكن لحقهم عالم ديناميكا الفضاء الأمريكي وصاح فيهم صارخًا ..عملنا ليس فيه تمتمة ولا انتظار ، أوقفوا بث حزم الليزر فورًا ، فلم يكن بمقدورنا التحكّم في الشراع على هذه المسافة الكبيرة كي ينحرف عن مساره يمينًا أو يسارًا .
ولقد جاء رئيس ناسا وبكْ منذ قليل ولقد عاينوا كلّ شيء .
ولقد كانت مدة حيرتهم التي لم يستطيعوا خلالها اتخاذ قرار قاربت على الخمسين ثانية ، وبعدها قاموا بتطبيق معادلات السرعة النسبية فتبين أنّ المذنب سيصطدم بالشراع خلال عشرين ثانية فقط مضى منهما عشرًا وتبقى عشرًا ، وليس لدى الفريق إلّا المراقبة والانتظار .
وأثناء ذلك سأل أحدهم..أنّى لهذا الكويكب يأتي بهذه السرعة ، ومن أين أتى أصلاً !.
فقال بكْ لهم أنّكم تأخّرتم في ردّ الفعل على هذه الكارثة ، أنّه مذنب مرّ بجانب الثقب بعيدًا عن أُفق حدثه فضربته جاذبيتّه فاندفع كالمقلاع بسرعة تقارب نصف سرعة الضوء ، ولقد أذابته إشعاعات الثقب فتولّد هذا الذيل الطويل .
وأمرهم رئيس ناسا بالصمت وهو يكظم غيظه ، بيد أنّ الذعر غلب الكظم .
أمّا جاك فلحظ توقّف الشراع أيضًا فعلم أنّ هناك مذنبًا آخر .
10 ، 9 ، ......والصلوات تُتلى ... 3 ، 2 ، 1 للأسف .. للأسف كارثة .
لم يسعفهم الوقت لتوقف الشراع فضرب طرفه .
يتبع .. يتبع
بقلمي..ابراهيم امين مؤمن

تعليقات
إرسال تعليق