من نبض الماضي بقلم عبده داود

من نبض الماضي
قصة قصيرة بقلم: عبده داود 
 8.2020
استقبلنا عمتي وابنتها نيللي القادمتين من الأرجنتين في أواخر القرن الماضي في زيارة ودية لأخيها، أقصد أبي، بعد أكثر من ستين عاما في الغربة.  عند ذاك هاجرت عمتي لتتوحد بالزواج مع خطيبها الذي هاجر قبلها...
نحن أولاد أخيها لم نكن نعرفها، خلقنا بعدما هي هاجرت... طبعاً قمنا بواجب الضيافة بأكمل وجه، ولائم، واستقبالات، ونزهات، وخلافه... وكل ما أمكننا فعله لإسعادها واسعاد ابنة عمتي...
الحقيقة هي لم تعرف احداً من اصدقائها القدامى الذين جاؤوا يسلمون عليها، هؤلاء الذين لا يزالون على قيد الحياة، ولم يهاجروا آنذاك كما فعل الكثيرون... كانوا يذكرونها بحكايات اسعدتها وأفرحت قلبها...
ذات مساء، كنا نرتشف القهوة، سألت عمتي كيف ترين النبك بعد غيابك كل تلك السنين الطويلة؟
ابتسمت عمتي وقالت لا أدري يا عمتي، بالفعل منذ وصلت وأنا أقارن الأمر بذهني، أقصد بين هذا الزمان، وذاك الزمان الذي لا يزال يعيش في داخلي...
  كنا سعداء آنذاك، حياتنا كانت بسيطة متواضعة...حينها لم يكن عندنا تلفزيونات، ولا راديوهات، ولا موبيلات ولا غسالات.ولا... كنا نذهب الى النهر لنغسل ثيابنا... أصلاً الكهرباء لم تكن قد وصلتنا بعد...كنا نستخدم قناديل الكاز للإنارة في الليالي...
كنا نبني بيوتنا بأيادينا من اللبن الترابي الممزوج بسنابل القمح الجافة المكسرة بأسنان النورج على البيادر، ويصبح اللبن صلباً ممانعاً للبرد والحر على حدي سواء، بعكس البلوك  الاسمنتي الذي اراه اليوم في بيوتكم، وهذا ناقل للحرارة الخارجية، في الصيف تتعرقون وفي الشتاء تبردون... 
كنا نأكل طعامنا من خيرات ارضنا وما تكرمنا به مواسمنا... أما أنتم تأكلون من الأكياس المعلبة مواداً جاهزة، غير معروف ماهيتها تماماً...
كان همنا في الصيف العمل في الحقول، لتأمين المؤنة الشتوية مثل الطحين، والبرغل، والدبس، والجوز وخلاف ذلك. وهمنا الكبير، تأمين الحطب من أجل التدفئة، والتنور. كما تعرف، النبك باردة جدا في الشتاء، في تلك الأيام، لم تكن هناك محروقات متوفرة كما هي اليوم... كنا نجمع الجرزون، 
(الجرزون هي أغصان العنب الطويلة التي تم تقليمها) وتجميع اليابس من شجر المشمش والجوز لنستخدمه في التدفئة والكانونة...
سألت مستغرباً: الكانونة؟  وما هي الكانونة يا عمتي؟
ضحكت عمتي ونظرت الى السماء كأنها تستحضر الماضي، وتنهدت وكأنها تتذكر حدثا مثيراً في حياتها، وقالت: "الكانونة يا عمتي حكاية طويلة، كانت هي صديقتنا في ليالي الشتاء الباردة، وملاذنا لتمضية سهراتنا الطويلة...
الكانونة عبارة عن طاولة غالباً مستديرة الشكل، قطرها يزيد عن المتر، وارتفاعها يزيد عن النصف متر، كانت توضع في منتصف الغرفة، ويوضع المنقل المليء بالجمر المستوي الخامد تحتها. نغطى الطاولة بغطاء كبير يغطي أرجلنا المدودة تحت الطاولة الى قرب المنقل. ثم نغطي باقي اجسادنا ببطانيات أو كنزات صوفية وما شابه... كانت عمتي تحدثنا وتروي قصتها، كأنها تستجلب الماضي البعيد لتجعله حاضراً معاصراً... وبروعة وصفها جعلتنا نعيش معها في الزمن الغابر، ولكأنه لا يزال حياً... وتتابع عمتي حديثها وتصف لنا مفروشات البيت آنذاك، قالت: كنا نصنع المفارش من أكياس الخيش ونحشيها بالقش نواتج سنابل القمح المقطعة تحت اسنان النورج ، نمد تلك الفرش بجوانب جدران الغرفة، ونضع فوقها مساند مصنوعة بذات الطريقة، ثم نمد عليهما وعلى كامل أرضية الغرفة الحصر، والبسطـ، والسجاد التي كانوا يحيكونها من الخيطان المغزولة من أصواف الماعز والخراف...
  في السهرات تجتمع العائلة، اهل بيتنا، وغالبا ما يحضرنا زوار من الجيران والأصدقاء من أجل تمضية السهرة، وكم كانت فرحتنا كبيرة عندما نجلس جميعاً على المفارش ونمدد ارجلنا تحت طاولة  الكانونة لنستدفئ بحرارة المنقل... غالبا كنا نضع فوق طاولة الكانونة مأكولات السهرية المتوفرة عندنا من زبيب وتين مجفف وجوز ولوز وقضامه صفراء، وقضامه يكسيها السكر وخلافه... 
وكانت أمتع السهرات، عندما يتواجد بين الموجودين شخص يجيد سرد الحكايات، الحكواتي... الذي كان  يروى الحكاية، وكنا نتحمس معه وتصبح آذاننا وعيوننا وكل حواسنا مشدودة مع الراوي... كنا نتحمس مع القصة، ونتفاعل مع الأحداث، نتصور الشخوص والحوادث في مخيلاتنا. وكان الحكواتي الشاطر يزيد ويطيل ويشعب الحوادث الى أن يتوقف عن سرد القصة في مكان شيق ويقول سنكمل الحكاية في الغد... وكنا نصيح: أكمل الحكاية يا رجل. وغالبا لا يفعل. وكنا نحن نستعيد أحداث الرواية. منتظرين عودة المساء التالي حتى يأتي الحكواتي ونعود الى الكانونة والى حكايتنا... 
تنهدت عمتي وقالت: وحسرتاه، لقد اضعنا عمرنا في الغربة...
يا خسارة عمرنا الذي اضعناه في العدم، لقد خسرنا فرح الحياة هناك، بينما الفرح الحقيقي هنا في بلدنا وبين أهالينا...
ترقرقت الدموع في عينيها وقالت: بعد ستين سنة في الغربة لا نزال غرباء...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موسم وأد الحمام بقلم العجمي الجملي

قصيدة " حيرة غريب " للشاعرة ساخي رشيدة 🌺🌺🌺🌺

أيا عروبتنا الشاعر أحمد مسعد