أحمد بقلم مريم الراشدي
كان أحمد وأخته نهى يعودان من المدرسة إلى بيت جديهما من أمهما حوالي الساعة السادسة مساء مشيا على الأقدام.
هو بالقسم الخامس ابتدائي وهي بالثالث. كان يمسك بيمناها لأن يمناه تمسك بمحفظته الجلدية البنّية وعلى ظهره محفظة أميرته وأجمل جوهرة في الكون. كانا يعيشان مع جديهما اللذين كانا يحنوان عليهما ولا يفرّطان في أي واجب من واجباتهما اتجاههما. لم يكونا يريان والديهما وتواصلهما بهما صعب التحقيق ...
لم يكن الاتصال يعني لنهى شيئا، أما لأحمد، فكان يعني الكثييير. لم يرهما منذ سنتين، منذ أن عنف أبوه أمه حتى ضاع حيز من سمعها إثر صفعة شرسة كادت، باختصار شديد، أن توذي بعمرها لولا لطف الإله ...
علق ذلك المنظر بذهن هذا الطفل الصغير وهو المغرم بأمه الجميلة الطيبة. كان ذاك الأب يعاني من مرض نفسي والصفعة إنما كانت نتيجة نوبة شك صاخبة ذات مساء.
افترق الوالدان واضطرت الأم للعمل خارج الوطن لتأمين احتياجات أسرتها وهي على الظرفية الجديدة بين صعوبة ظروف والديها الصحية وقبوع من كان عائلها في مصحة نفسية إلى أجل غير مسمى ...
كان أحمد شديد الذكاء وشديد الإحساس رغم صغر سنه كما كان فائق الوعي الاجتماعي. عمره ذاك لم يزح عن كاهله ثقل الأيام ... كان يدرك تمام الإدراك أن جديه ليسا مجبرين على تحمل مسؤولياته وأخته. وخوفا على مال أمه من التبدير تحت أية طائلة مهما صغرت، كان يحرم نفسه من كل متطلباته كطفل، لعب عاشوراء، ألبسة جديدة للعيدين، كتب مدرسية جديدة وغير مستعملة، رحلة مدرسية ...
كان كبرياؤه ووعيه الأسري يمنعانه، عن اقتناع، من كل
ما طاب لطفولة، باتت مجروحة مثقلة بالمسؤوليات ...
**************
أحمد 2
"وااااا لَلََّااااااا، واااااا لَلََّاااااا"... يلهث، يلهث ... إنه يلتقط بعض أنفاسه ... وراحتا يديه على ركبتيه، وجبهته وكل عضو فيه يتقاطر عرقا،
- وانجحت أ للا*، نجحت، نجحت فالشهادة
- مباااااارك مسعود يا الحبيب ديالي، هنيييا عليك، يويويو... "
انهى أحمد ليالي تعبه بنيل الشهادة الابتدائية، شهادة استكمال المرحلة الأولى من مراحل التعليم الاجباري بذاك الزمن الجميل.
كانت الفرحة عارمة بين أفراد الأسرة الصغيرة على الخصوص
وكذلك كانت الفرحة عند الجيران الذين سمعوه يصرخ وهو يجري عائدا إلى البيت مهللا بفرحته.
كان كل من دق باب البيت وجاء ليبارك في ذلك اليوم واليومين المواليين يحمل معه هدية تلائم سن أحمد ومن لم يجد أي فكرة، كان أضعف الإيمان "جوج قوالب ديال السكر".
فرح أحمد فرحا شديدا بالنجاح وبالهدايا التي قُدّمت له عقبه وخاصة هدايا مدرسته، تلك تلقاها بافتخار أثناء الحفل البهيج الذي أقامته مدرسته احتفاء بالتلاميذ المتفوقين وقدمت لهم قاموس "منجد الطلاب" ومجموعات من القصص من فئته العمرية وكذلك مجموعة فاخرة من علب الصباغة والريشات والورق المقوى. كل الهدايا علينا خيوط ساتانية ملونة وبطاقة المباركة مكتوب عليها : ألف مبارك، دفعة 1978-1979، مسيرة موفقة إن شاء الله.
مر أحمد أسبوعه الأول بين نشوة بالنجاح كلما مر بزقاق أو بدكان من دكاكين الحي إلا وسمع وصلة تهنئة وحزن لعدم اتصال أمه حتى تبارك له بما حقق كخطوة عملاقة تفصله عن مرحلة الابتدائية تلك.
لكنه سرعان ما صار يفكر في أخته الصغيرة ...
الانتقال من تلك المدرسة إلى أخرى خاصة بالمرحلة الإعدادية يعني أنه لن يستطيع الاعتناء بأخته كما دأب على ذلك لمدة ثلاث سنوات.
من سيهتم بتوصيلها للمدرسة ؟؟ من سيتولى رجوعها إلى البيت خاصة في أيام البرد القارس حين يكون اليوم قصيرا ولا يصل الأطفال إلى بيوتهم إلا وسواد الليل قد طغى على الدنيا ؟ "من سيمسك بيدك ويحمل محفظتك ؟؟ لا زال الدرب طويلا بمرحلتك أختي حبيبتي، نهى الصغيرة !!! عامان حتى نهاية القسم الخامس، كيف سأفعل ؟؟ ما الحل، يا رب ؟؟" انغمس في أسئلته لوحده وصمت ...
* للا : جدتي (عند السواد الأعظم بالمغرب بذاك الزمن)
*************
أحمد 3
ألقى الليل بظلاله الرمادية القاتمة على الدنيا بحالها ذاك المساء. لا زال أحمد بالقسم حسب استعمال زمنه بالسنة الأولى إعدادي. لا تركيز على ما يفسره أستاذ العلوم الطبيعية في آخر حصصه المسائية. أخته الحبيبة تنتظر قدومه بباب مدرستهما التي كانا يدرسان بها وهو في قسمه الخامس لأخذها والعودة إلى البيت. لا جدّه ولا جدّته يقويان على الحضور لاصطحابها.
" إنها بالتأكيد لوحدها، ماذا سيحصل لها يا ترى ؟؟
ماذا لو مر بها غريب وعرض عليها أن يوصلها إلى البيت ؟؟
لقد أوصيتها ألا تذهب مع الغرباء، ماذا لو أمسِك بيدها عنوة وهي الخوافة ولا تقوى على التفوه بكلمة حين تكون تحت طائلة أي ضغط ولو بسيطا ؟؟ ماذا لو تعرضت للخطف ؟؟ كيف لي أن أطلب من الأستاذ أن يسمح لي بالخروج من الفصل قبل انتهاء زمن الحصة ؟؟ يا إلاهي، ما العمل ؟؟
استأذن حينئذ في أن يذهب إلى المرحاض فأذن له.
لم يرد ذلك قصدا، بل انطلق كالسهم نازلا سلالم الطوابق الأربع ثلاثا ثلاثا نحو مكتب المدير مباشرة. يلهث وقلبه سينسل من صدره بباب مكتبه، سارع إليه الحاج الحبابي* :
- "أشواقع اولدي، مالك هكذا ؟ شكون للي دار لك شي حاجة ؟
- أنا مزاااااوگ فيك أسي المدير ... اختي كتّسنّاني ... فباب المدرسة ديال الصغار ... وما كاينش للي غادي يجي موراها ... للّا وبّاسيدي كبار مساكين ... وما يقدروش يجيوا ياخذوها ...
- إِوا ؟ وشنو بغيتِ دابا ؟؟
- نمشي مواراها، أنا مززززاااااااوگ فيك، وبدأ بالبكاء وكل دمعة تدفع الأخرى بحرقة لما جال في خاطره من خوف على أخته.
رق قلب المدير لحاله واستدعى على الفور أحد حراس الساحة وأمره أن يصحبه إلى المدرسة الابتدائية المجاورة لمرافقة الأخت إلى مدرسة أحمد وتنتظره إلى أن ينتهي من درس العلوم.
بينما ذهب والحارس نحو مدرسة الصغار، أرسل أستاذ العلوم أحد التلاميذ نحو الإدارة لتفقد أحمد، لقد طالت غيبته عن الحصة وهو الذي قال أن ذهب لبضع دقائق.
وصل الأخ إلى باب المدرسة ولم يجد أخته بالباب كما حثها أن تفعل. صار يصيح كالأحمق :
"أ نُهاااااااااا ، نهااااااااااا ، وااااا نهااااااااا
أخذ يطمئنه الحارس المرافق له ودق" خرصة" باب المدرسة
واستُمع صوتُه بالصدى من الداخل. المدرسة فارغة ولا مجيب. زاد صوت أحمد صراخا عند مناداة أخته وبكاؤه وعويله يملأ الحي بأكمله وليل الشتاء عريض ومرحش بذلك المكان. عاود المرافق قرع الباب وإذا بصوت يسأل من الداخل :
- " آااا شكووووون ؟
- عمي الطاهر، أحمد مستغيثا، أنا احمد العبدلاوي، شفتِ اختي نها ؟؟"
يفتح باب مدرسة الصغار،
" غا بشّويّا عليك اولدي، غا بشويا !! بلا بكى، بلا بكى !!
راها معايا ومع خالتك "رحمة" والبنات".
استرجع أحمد أنفاسه وأخذ يقبل يدي عمي الطاهر
" الله يرحم لك بها الوالدين اعمي الطاهر" وهرع إلى الداخل مناديا أخته بأعلى صوته.
- "مسكين هاد الوليّد، قال حارس المدرسة الإعدادية.
- واييييه مسكين، هازّ الهم من الصغر. وكمّل منين مشى للمدرسة الأخرى. ظروفه ربّي للي عالم بها. الله يكون معنا ومعه"
سمعت الصغيرة صوت أخيها من بعيد ؛ هرولت نحو محفظتها وانتعلت حذاءها بسرعة وهمّ الثلاثة بالعودة للمدرسة الإعدادية.
كان الوقت قد تجاوز السادسة مساء بعشر دقائق. انتهت حصة العلوم الطبيعية وخرج الأستاذ ورفاقه ويستعد المدير لذلك بدوره.
"لا بأس، قال أحمد في نفسه. سآخذ دفتر صديقي عمر وأطلب من الأستاذ فضلا منه أن يفسر لي باختصار ما قد لا أفهمه من حصة اليوم. المهم أن أختي بخير“.
شكر الحارس الذي رافقه واصطحب أخته من يدها وأخذا يطويان تلك المنعرجات المنحذرة كسيل كاسح حتى لا يحس جداهما بتأخرهما عن موعد العودة الاعتيادي.
مريم الراشدي

تعليقات
إرسال تعليق