ستانلي بقلم د. مراد الأهدل


 قصة قصيرة  

يكتبها / د. مراد الأهدل 


   ستانلي 


في نهاية العام 1959 م كانت إحدى البلدات التابعة لمدينة نيويورك تنام على الجليد الذي يغطي البيوت والحقول وكل أنحاء البلدة في تلك الليالي الباردة كان هناك إمرأة تتحضر لولادة صعبة لا يوجد بجانبها سوى أمها وزوجها ذا الأصول الاسكتلندية إنتصف الليل وبدأت عاصفة ثلجية تضرب البلدة وزادت معها معاناة الولادة ... قبل الفجر وضعت الأم ذلك الطفل الأزهر ولشدة معاناتها لم تتحمل حالتها البقاء لحياة جديدة... لفظت أنفاسها الأخيرة وهي تحمل ذلك الوليد على صدرها بعد أن قبلته بدفئ و تعب ودموع حزينة كانت تتسلل من عينيها الذابلتين ...  كانت لحظة قاسية تشابه قساوة الشتاء في ذلك العام .... بكت أمها بحرقة شديدة وهموم تتدحرج ككرات الثلج الكبيرة فهي متقدمة في السن وتعلم أن والد الطفل غير قادر على الأعتناء بالطفل وحده لأنه يعمل في إحدى المعسكرات ولا يستطيع العودة للمنزل سوى أيام معدودة من كل شهر..... كان الرجل الاسكتلندي يقف في ركن الغرفة بالقرب من النافذة عيناه تتدفقان مرارة وتذرفان ألماً .... وهو يحمل سجارته في يده المرتعشة يشاهد تلك العاصفة الهادرة تحطم حبات قلبه ..... ترك سجارته مشتعلة وحمل خطواته الثقيلة تجاه ذلك الألم السرمدي ... قال أماه هل أستطيع أن أطلب منك رعاية هذا الطفل اللعين ..... رفعت الجدة رأسها نحوه بعينين جاحضتين ... أتريد أن تحمل هذا الطفل مسؤلية رحيل أمه .... صمت بحزن شديد قليلا ثم قال أريد ... فقاطعته أتركه لي واذهب إلى حيث تريد ......كان الطفل يتقلب على صدر أمه ويداه ترتطمان بخديها الباردين..... أخذته جدته وبدأت منذ ذلك اليوم حياةً صعبة كانت ترى أن العمر لا يسعفها وقواها لا تسعفها ولكن لا خيار سوى أن تعطي مالديها للطفل البرئ ..... مرت الايام سريعاً وكبر الفتى ستانلي وبدأ يرتاد المدرسة القريبة كانت جدته تفقد قواها كل عام قليلاً ولكنها لا تفتر عن القيام بكل واجباته والأب يأتي بين حين وآخر ليرى طفله ستانلي يكبر رويداً رويداً .... كان ستانلي أزهر اللون بعينين جميلتين وقوام طويل ولكن أذناه مميزة قليلا فكان يعاني بين حين وآخر مضايقة زملاءه العنصريين .... كان هذا الفتى لا يرافق في مدرسته غير إثنين من زملاءه نورمن وسكوت الذين يشعر بدفئ علاقته بهم.... تقدم في فصول الدراسة وكان يتميز بكتاباته المؤثرة فارتبط بأستاذ الأدب الذي كان يشجعه كثيراً ويساعد على ارتباطه بصديقيه نورمن وسكوت ... كان المعلم يرى أنهم مجموعة مميزة ومختلفه عن بقية الطلاب .... مضت الأيام ووصل إلى الصف التاسع... بدأت ملامح الذكورة تدب في جسده ولكنه للأسف لم يستطع أن يلفت إنتباه أياً من الشابات الجميلات في صفه كان جميع زملاءه لديهم صداقاتهم إلا هو..... يمضي وقته في القراءة والكتابة والمرح بعض الاوقات مع أصدقاءه .... صديقه سكوت كان يمر بعلاقة رومانسية ناشئة يشعر بأحساس غريب تجاه زميلته كامليا التي كانت تملؤها أنوثة صاهلة كمهر حرون ... بدأ بعض الأشقياء في مضايقة سكوت ولكن شجاعة ستانلي حمته من رعونتهم.... في نهاية الفصل الدراسي التاسع قرر معلم الصف أن ينظم حفلاً للمواهب بداية فصل الشتاء فسجل كل طالب الموهبة التي سيقدمها في جدول الحفل وبدأت التحضيرات نورمن وسكون كانا مدهوشين وهما يشاهدان سجل المواهب ستانلي كتب أنه سيقدم أغنية في ذلك الحفل لم يعرفا عنه الغناء مطلقاً ..... ناقشا معه الأمر ذلك اليوم بحدة فهما يخشيان أن يثير غناءه سخرية الجميع وتتحطم نفسيته وينكسر خاطرة فهو وحيد ... في تلك الأثناء كانت ترمقهم لمعات رموش حادة تخترق الشجرة التي يجلسون حولها إنها لفتاة في الصف الثامن تدرس بالقرب من صفهم أسمها سيليانا كان يعجبها ذكورة ستانلي وقامته ولكنها خجولة ولم تستطع الأقتراب منه وهو لم يكن يخطر بباله أنه سيجلب انتباه إحدى الفتيات.... كان نورمن منزعجاً من قرار ستانلي ويصرخ بحدة سوف تصبح مثار للسخرية أنت لا تجيد الغناء وستانلي يلتقط تلك الأشارات العابرة للريح نحوه ويقول في نفسه غير معقول .... هل يمكن أنها تقصدني .... قاطعه نورمن بصوت عالي .... ستانلي انت تتجاهلني ... فقال لا لا أرجوك انا فعلا مغني ... فقال منذ متى يا ستانلي قال مدافعاً عن نفسه أرجوك دعني أفعلها وسوف اتحمل النتائج سكوت كان متعاطفاً مع ستانلي ولكنه يتفق مع نورمن في حرصه على عدم إنكسار صديقهم الحميم ستانلي ... صباح اليوم التالي كان ستانلي يتمشى في طريقه الى المكان الذي يلتقي فيه بنورمن وسكوت ...مرت بجانبه سيليانا وعيناها تنطق دفئاً ورغبة نحوه ...قالت مرحباً ستانلي ... تلعثم ستانلي ...وقال مرحباً ... أهلاً .... أنا ... كيف..... لم يدري ما يقول ... غمزت سيليانا بعينها الجميلة وابتسمت شفاهها الغضة ... وسرى ذلك الدفئ والشعور بالسعادة الغامرة في جسده ... لا يعرف ما يفعل ولا كيف يرد ... تسمر في مكان لدقائق مدهوشاً .... سعيداً .... مكذباً ..... وانطلق كالسهم نحو نورمن وسكون ..... سكوت نورمن ... وجهه مشرق مثل قمر الصيف في السماء الصافية ... أنا ... كنت ..... يا هووووو  ويقفز .... نورمن ينظر إلى سكوت مبتسماً ماذا به هل جن ستانلي ههههههه ..... على رسلك ستانلي إجلس ماذا هناك ... كنت ..... سيليانا .... قال سكوت ماذا تقول لا أكاد أفهمك ... تنهد ستانلي سعيداً وقال حتى انا لا أفهم .... عندما يقرر القدر أن تشعر بالسعادة فسوف تجدها في كل شيء حولك .... سكوت أراك اليوم جميلاً جداً نورمن أراك أجمل من قبل ..أنظر إلى الشجرة كيف هي مزهرة جميلة هههههههه ينظران باندهاش ممزوج بالضحك ويضحكون جميعاً ... ماذا بك يا ستانلي ... قال سيليانا تهتم بي .... توقف الضحك وبأندهاش أصحيح ما تقول ... قال نعم ... فامسكا يديه .... هل ستقيم علاقة معها ...مبتسما حرك رأسه بنعم .... واستمر اليوم في مرح ودعابة وسعادة ... في اليوم التالي الجميع يتحضر للحفل وستانلي يقف على ممر الصف الثامن ... تمر سيليانا ... صباح الخير ...أهلاً ... هل لي أن ألتقي بك ... الٱن ...لا أعتقد الوقت مناسباً ولكن نهاية الأسبوع .... قال أوكي يا هوووووو..... مرت الأيام وستانلي يجهز نفسه خرج معها في شوارع المدينة وفي الحقل تبادلا دفئ جسديهما بالاحضان والقبل المملؤة عشقاً جامحاً ......في مساء تلك الليلة جاء إتصال غريب من المعسكر ردت الجدة فأخبرها المتصل أن جون والد ستانلي فارق الحياة بعد معاناة مع الحمى ..... كانت صاعقة تزلزل حياة ستانلي فقد كان والده وجدته هما ركني حياته الصعبة والحضن الذي ينام فيه في ليالي الشتاء القارصة ...إزداد حزن ستانلي وجدته التي كانت في آخر أيامها ... تغيب عن المدرسة لأيام وكان يجلس وحيداً في غرفته لساعات طويلة .... حاول سكوت ونورمن أن يخرجاه من عزلته ولكن باءت كل محاولاتهم بالفشل .... فقد كان يشعر بالحزن العميق ... لقد كان يريد أن يخبر والده عند زيارته القادمة عن علاقته الجديدة بالفتاة سيليانا ....... ويريد أن يفاجئه في حفل المدرسة القادم بموهبته في الغناء ويريد أن يتسامر معه ليالي رأس السنة كما يفعلان دائماً .... كسر الحزن ستانلي وإنكفأ على نفسه لفترة .... الحفل يقترب والطلاب يقترحون إلغاء فقرته لأنهم لا يتوقعون حضوره ... ولكن معلم الصف السيد جاك يصر على إبقاء فقرته حتى لو لم يحضر ...... كان الحفل في نهاية الاسبوع وهو الاسبوع الأخير في هذا الفصل الدراسي وسوف تبدأ العطلة السنوية التي سينتقل الطلاب بعدها المدرسة الثانوية .... في منتصف الأسبوع حمل السيد جاك حقيبته في نهاية النهار وذهب إلى بيت ستانلي ... تفتح الجدة باب البيت حزينة يظهر تقدم السن على سحنات وجهها .....من ؟.......يقول انا معلم الصف التاسع جاك جئت لأرى ستانلي .... مرحباً سيدي تفضل ... ستانلي ... ستانلي إنه السيد جاك .... يخرج من غرفته مسرعاً .... مرحباً مرحباً ...... تفضل يقول مدهوشاً ..... هل يمكن سيدتي ان تتركينا وحدنا ...... حسناً سأذهب إلى غرفتي إن أردتم شيئاً أرجوكم نادوا علي.... شكراً على لطفك سيدتي ... حسناً جدتي سوف أتولى الأمر إذهبي إلى غرفتكِ ولا تقلقي .... ستانلي بُني إننا نسير في الحياة كأننا وسط غابة كثيفة لا نعرف أين الطريق الآمن ولكن لابد أن نسير .......قد نمر على واحة مثمرة وجدول صافي وقد نمر على شوك يشقق اقدامنا ولكن في الأخير علينا أن نستمر حتى نصل إلى حلمنا.. .. أتدري يا بني مات أبي قبل عشرين عاماً في باريس ولكن لا زلت أرسل له جواباً كل عام قبل رأس السنة أدعوه أن يشاركنا إحتفالات هذا العام وانتظره حتى وقت متأخر ومن ثم أذهب للنوم تعودت أن أكتب له رسائل ولم أتوقف حتى يومنا هذا ...... ستانلي لم نحذف فقرتك في الحفل وسوف ننتظرك حتى الاخير ما رأيك ان تغني لروح والديك كأنها أمامك أود رؤيتك قوياً يا بني ..... ذهب السيد جاك والتصقت الفكرة برأس ستانلي ..... جلس في غرفته وأخذ القلم وكتب بريدأ إلى والده .... أبي أخبروني أنك رحلت إلى حيث تقيم أمي ولكنني أرفض فكرة أنك تركتني وذهبت .... أبي لقد تعرفت على فتاة تحبني إسمها سيليانا جميلة وطيبة جداً يا أبي ..... سوف تقيم المدرسة حفلاً نهاية الاسبوع أتمنى ان تحضر وتشاهد عروض المواهب سأكون سعيداً برؤيتك هناك يا أبي ...... إبنك ستانلي.

جاء يوم الأحد يستعد الجميع للذهاب للمدرسة في تلك الليلة جدته أخذت حماماً دافئاً ولبست معطفها .. دقت على باب غرفته برفق ... ستانلي بني أنا ذاهبة الى الحفل هل ستأتي معي ...... لا يجيب ... أنا ذاهبة هناك لأراك تغني ..... لا يجيب ..... تتركه وتذهب الى محل الزهور تأخذ بوكيه من الزهور الجميلة وتحمله معها إلى المدرسة تجلس في أخر الصفوف و في يدها تلك الورود منتظرةً بحماس.... يبدأ الحفل فقرة تلو فقرة .... سكوت ونورمن يقفان بالخارج والسيد جاك يخرج قليلا ويعود ... أتظنان أن ستانلي سيحضر .... في حيرة يجيبان ربما .... يتنهد السيد جاك ويعود ... قبل انتهاء الحفل بفقرة يفقدان الأمل في حضوره ويدخلان للقاعه ... ينظر السيد جاك نحوهما ويرى الخيبة والحزن على وجهيهما ويفهم أنه لن يأتي .... ينظر الى الجدة ويراها متأهبة لظهور ستانلي على المسرح والورد في يديها وهي تنتظر بحماس فقرة ستانلي ..... سيليانا حضرت مع والديها مبكرا ... كانت متلهفة لرؤيته يغني مع أنها لم تسمعه يغني من قبل ولكنها كانت تريد أن تصفق له على كل حال ..... فجأة حضر قائد المعسكر الذي كان يعمل فيه والد ستانلي .... رحبت به إدارة المدرسة والأهالي بحرارة وهو يسال أين الفتى ستانلي .... يتهربون من الرد .... صعد السيد جاك على المسرح وقال الآن فقرة السيد ستانلي .... صفق الجميع بحماس ولم يصعد ستانلي .... يتلفت الجميع يمينا وشمالاً أين ستانلي .... قال السيد جاك سيداتي وسادتي أنا أسف كثيراً ... السيد ستانلي .....فصاحت الجدة من الخلف ......إنتظر .... إتركوا له بعض الوقت .... صمت الجميع تعاطفاً  مع الحزن العميق الساكن في أعماق تلك العجوز التي تحمل في يديها المرتعشتين وروداً تريد أن تقدمها لستانلي ..... فتح ستانلي باب القاعة فجأة والتفت الجميع نحوه وهو يمشي بهدوء يحمل في يده جيتاراً قديماً أهداه إليه والده قبل سنين ...صعد على المسرح والجميع في صمت رهيب ... كانت الجدة جالسة فوقفت على قدميها تنظر نحوه وعيناها ممتلئة بالدموع .... بدأ ستانلي يغني .... أيها الأمل البعيد ...... يا قمراً مكتمل الضوء ..... إقترب من كوخي الصغير ... أيها الحلم الجميل .... المتراقص على زهور التوت الحمراء ..... إقترب من قلبي الصغير .... أيها العشق المزهر في ليل الشتاء ..... إقترب من حضني المتلهف .... يا فتاتي الجميلة .... لا تفقدي الأمل .... لا تقبلي الهزيمة .... عانقي رمشي الذابل .... دعيني أقبل عينيك اللامعتين وأحلم بالأمل ..... غنى ستانلي باحساس مرهف وصوت رخيم عذب مثل جداول الصيف الرقراقة .... صفق الجميع له بحرارة ووقفت القاعة كلها تصفق ، سيليانا كانت تمسح دموعها وتصفق فخورة به ،، سكوت ونورمن يتقافزان من الفرح والتصفير والتصفيق ، وتتقدم جدته بجسمها النحيف وتجاعيد وجهها الداكنة تقدم له الورود بكل حماس ودموع دافئة وتأخذه في أحضانها .... تعال يا صغيري الجميل ... أنت رائع يا ستانلي ..... شكر ستانلي قائد المعسكر بحرارة وهامسه القائد في أذنه أنت عظيم يا ستانلي وأعظم مما كان يصفك جون ....  إنتهى الحفل وعاد الجميع إلى بيوتهم وبدأ ستانلي رحلة جديدة من حياته .. لقد أستمر يرسل إلى والده الرسائل كل عام ....بعد إنتهاء الثانوية غادر البلدة ولم يعد إليها ... إلتحق بالجامعة قسم الموسيقى وأصبح مغنياً مشهوراً ... أصبحت قصة ستانلي مثل الضوء المنير لكل من فقد الأمل أن الحياة لا تتوقف أنه لابد أن يصل في يوم ما إلى حلمه 

الجميل .... 


د. مراد الأهدل

١٥  نوفمبر  ٢٠٢٠

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موسم وأد الحمام بقلم العجمي الجملي

قصيدة " حيرة غريب " للشاعرة ساخي رشيدة 🌺🌺🌺🌺

أيا عروبتنا الشاعر أحمد مسعد