الابن البار. Hanan mahmoud


كنت أجلس و عائلتي على إحدى طاولات مطعم الفندق الذي كنت أقضي فيه بضعة أيام ،،،، طلبنا الطعام ،،،، لم يكن المطعم يعج ب الناس ،، يبدو أن الكثير من النزلاء قد  انتهت مدة بقائه ف غادر  ،،،، و من وراء زجاج النافذة جلست أراقب الأمواج و هي تضرب الشاطئ ،،،، سرحت في ذلك اللسان الخشبي و الذي يمتد لأمتار طويلة داخل البحر ،،، ثم سمعت وقع أقدام أشخاص ،،، نظرت ،، وجدت رجلا يمسك ب رجل مسن ،، يمشيان ببطء شديد ،،،، ثم دخلت باقي العائلة ،،، الأم ،،، الزوجة و الأبناء ،، تسمرت عيناي و انا أشاهد ذلك الرجل و هو يمسك بيد أبيه ب كل حنان ،،، جلس الجميع ،،، الإبن يجلس بجانب الأب و الباقون يجلسون حولهم ،،، طلبوا الطعام ،،، و جلس الابن البار ينظر ل أبيه ،،يتحدث معه  ،،، لكن الأب لا يجيب ،،،، أفقت على صوت ابني يحثني أن أبدأ الطعام ،،،،
أدركت حينها ،،، أنني نسيت تماما أمر كل شيء حولي ،،،، لا ادري ماذا كنت قد  طلبت من طعام ،،، و لا ادري كيف كان طعمه ،،، كنت ب كل حواسي ارقب تلك العائلة ،،، خلسة حينا ،،،و بطريقة مباشرة حينا آخر ،،، 
ثم ،،،، أحضر النادل الطعام ،، و لدهشتي ذلك الابن طلب لأبيه نوعا من السمك،،،اسمه سمك  بوري مشوي ،،، و بدأ الابن يطعم أباه ،،، ب كل هدوء و بكل حب ،،، الأب فقط يمضغ الطعام ،،، و أثناء ذلك ،،، يأكل الابن سريعا ليعاود إطعام أبيه ب كل صبر ،،، الرجل المسن صامت ،،، فقط يمضغ الطعام و ابنه يمسح له فمه مرة بعد مرة  ،،، يضع يده تحت ذقن أبيه كلما هم  ب وضع تلك الملعقة في فمه ،،،، 
لا ادري كم من الوقت مضى ،،،، و لا ادري أيضا لماذا طلب الإبن لأبيه سمكا ،،،، ف الأب لا يدرك اصلا اي شيء حوله ،،،، ألم يكن أسهل على الابن ان يختار شيئا سهلا ليطعمه لأبيه ،،،، لكنه لم يفعل ،،،يبدو أن الأب كان عاشقا للسمك ،،،، 
نعم ،،،، نسي الأب كل شيء ،،، و نسي أي الأشياء كان يحبها ،،، لكن ابنه البار لم ينس،،، و لسان حاله يقول : ،،، نعم يا أبي انت نسيت ،،، لكنني لم أنس 

و رغم كل المحاولات البائسة ،،، انهمرت دموعي ،،،، تبكي كل شيء ،،،، تبكي حال  الأب  الذي كان يوما ذا شأن عظيم ،، و الآن،،،،،،، لا يملك من أمره شيئا ،،، تبكي ذاك الابن الرائع الذي يحنو على أبيه المسكين الذي اوهنه المرض ،،،،، تبكي  أمي التي فارقت الحياة في رمضان ،،،، تذكرت أمي حين سقيتها العصير ،،،،،،كانت حينها  في العناية المركزة ،،، أخبرتها أننا في رمضان و أنها يجب ألا تحزن لكونها ليست صائمة ،،، ف لقد  كانت دائمة الصيام ،،،  ابتسمت ثم سألتها ،،،
_ماما انت عطشانة يا حبيبة قلبي 
هزت رأسها ،،،
ف طلبت من الطبيب ان أسقيها ،،، رفض في البداية خوفا عليها ،،، لكنني أصررت على ذلك فما كان منه إلا أن وافق ،،، ملأوا تلك (الحقنة )عصيرا و وضعوه في ذلك الأنبوب ،،،، نظرت ل وجه أمي ،، رفعت أمي نظرها  للسماء و ابتسمت في سعادة ،،، سألتها ،،،
ماما ،،، عجبك العصير  ؟
هزت رأسها إيجابا ،،،،، ربما كانت هذه هي الرية التي لن تظمأ بعدها أبدا ،،،،،كانت هذه آخر مرة أرى فيها أمي و هي على قيد الحياة ،،، و مذ ذلك الحين و أنا عصيري  المفضل هو عصير التفاح ،،،، 

بكيت كل هذا ،،،، و دعوت ل أمي ب الرحمة ،،، و دعوت  للأب  ب الشفاء ،،، و دعوت للإبن البار ب الخير بل ب كل الخير ،،،، 

و في هدوء ردد قلبي تلك الآية الكريمة ،،،، "و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة و قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا " 

   مسحت دموعي ،، و ابتسم قلبي ل قلب ذاك الإبن البار ،،،، و في هدوء غادرت المطعم،،،، 

# hanan

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موسم وأد الحمام بقلم العجمي الجملي

قصيدة " حيرة غريب " للشاعرة ساخي رشيدة 🌺🌺🌺🌺

أيا عروبتنا الشاعر أحمد مسعد